المشاركات

السبت، 24 يناير 2026

المسيح والمعمدان

 

كيف وُلِدت بدايات الكنيسة (عروس المسيح) من رحم حزن المسيح على المعمدان أعظم مواليد النساء؟

متى وأين بدأ المسيح يكرز ويخدم خدمته العلانية؟
 وهل تقاطعت خدمته مع خدمة يوحنا المعمدان؟

 

Mesîh û Baptist

Destpêka Dêrê (Bûka Mesîh) çawa ji zikê xemgîniya Mesîh ji bo Yûhenna imadkar, yê herî mezin ji yên ku ji jinan hatine dinê, çêbû ?

Mesîh kengî û li ku dest bi waaz û xizmeta eşkere kir? Û gelo xizmeta wî bi ya Yûhenna imadkar re li hev hat?

 

مەسیح و باپتیست

چۆن سەرەتای کڵێسا (بووکی مەسیح) لە سکی خەم و پەژارەی مەسیحەوە لەدایک بوو بۆ یۆحەنا تەعمیدکەر، گەورەترینی ئەوانەی لە ژنان لەدایک بوون ؟

مەسیح کەی و لە کوێ دەستی کرد بە بانگەشەی بانگەشەیی و خزمەتکردن بە ئاشکرا؟ وە ئایا خزمەتەکەی لەگەڵ خزمەتەکەی یۆحەنا تەعمیدکەردا یەکتربڕاوە؟

 

مسیح و باپتیست

چگونه آغاز کلیسا (عروس مسیح) از رحم غم و اندوه مسیح برای یحیی تعمید دهنده، بزرگترین زاده‌ی زنان، زاده شد ؟

مسیح چه زمانی و کجا شروع به موعظه و خدمت عمومی کرد؟ و آیا رسالت او با رسالت یحیی تعمید دهنده تلاقی داشت؟
 

 

Mesih we Baptist

Çümdüriji Ýahýa üçin Mesihiň gynanjyndan, aýallardan doglanlaryň iň beýiksinden, Ýygnagyň (Mesihiň Gelniniň) başlangyjy nähili döräpdir ?

Mesih haçan we nirede köpçülige wagyz edip we hyzmat edip başlady? Onuň gullugy Ýahýa Çömlendirijiniň hyzmaty bilen kesişdimi?

 

İsa ve Vaftizci

Kilisenin (Mesih'in Gelini) başlangıcı, kadınlardan doğanların en büyüğü olan Vaftizci Yahya için Mesih'in duyduğu kederin rahminden nasıl doğdu ?

İsa Mesih ne zaman ve nerede halka açık bir şekilde vaaz vermeye ve hizmet etmeye başladı? Ve onun hizmeti Vaftizci Yahya'nın hizmetiyle kesişti mi?

 

IF YOU WANT TO READ THIS ARTICLE IN YOUR LANGUAGE CHOOSE IT FROM THE BOX ON THE RIGHT

 


هناك بعض التساؤلات حول زمن اختيار المسيح لتلاميذه (خاصة بطرس ويعقوب ويوحنا وإندراوس)؛ فهل بعد أن سمع أن يوحنا المعمدان أُسلِم كما يخبرنا إنجيل متى (مت4: 12- 22), أم قبل سجن يوحنا المعمدان كما قد نفهم من إنجيل يوحنا (يو3: 22- 24)

"وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ. وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ الْبَحْرِ، عَبْرُ الأُرْدُنِّ، جَلِيلُ الأُمَمِ. الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ». مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ». وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ. ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي السَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا. فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ." مت4: 12- 22

فقد ترك يسوع اليهودية وانصرف للجليل عندما سمع أن يوحنا المعمدان أُسلِم وذلك يذكره البشير يوحنا مباشرة بعد انتهاء التجربة على الجبل (عدد11) بمعنى أن هذا كان قبل أي خدمة علانية للمسيح. وفي الجليل ابتدأ يسوع يكرز مت4: 17
وواضح أنه بعدها بدأ يدعو تلاميذه بطرس وإندراوس ويعقوب ويوحنا (مت4: 18- 22) ولعلها مفارقة ملفتة للنظر لقاؤه واختياره لتلاميذه المقربين بعد حزنه على يوحنا الذي أُسلِم؛ وكأن من رحم حزن المسيح على أعظم مواليد النساء تُولد الكنيسة عروس المسيح متمثلة في هؤلاء التلاميذ, ومن المعاناة النفسية للمسيح يبدأ تشكيل رجاء البشرية من خلال تكوين أول مجموعة من كارزيها.   

لكن ربما نتساءل عن مدى تواؤم ذلك مع ما جاء في إنجيل يوحنا:
"وَبَعْدَ هذَا جَاءَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى أَرْضِ الْيَهُودِيَّةِ، وَمَكَثَ مَعَهُمْ هُنَاكَ، وَكَانَ يُعَمِّدُ. وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانُوا يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ. لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوحَنَّا قَدْ أُلْقِيَ بَعْدُ فِي السِّجْنِ. وَحَدَثَتْ مُبَاحَثَةٌ مِنْ تَلاَمِيذِ يُوحَنَّا مَعَ يَهُودٍ مِنْ جِهَةِ التَّطْهِيرِ. فَجَاءُوا إِلَى يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ، هُوَ يُعَمِّدُ، وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ» أَجَابَ يُوحَنَّا وَقَالَ: «لاَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ السَّمَاءِ. أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ لِي أَنِّي قُلْتُ: لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ. مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ. يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ". يو3: 22- 30

وهنا الملفت للنظر المباحثة التي حدثت من تلاميذ يوحنا مع يهود من جهة التطهير. أليس غريبًا أن المباحثة ليست مع يوحنا المعمدان شخصيًا خاصة أن موقفًا شبيهًا تكرر مع تلاميذ المسيح ولكن المباحثة كانت مع المسيح بذاته, وكانت كشكوى على تلاميذه (فمن البديهي أن من يريد شكوى الأصغر يشكوه للمسؤول عنه):  
"
حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزًا؟»" مت15: 1, 2
ونجد أن يوحنا الإنجيلي يذكر رد فعل تلاميذ المعمدان بعد المباحثة: "
فَجَاءُوا إِلَى يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ، هُوَ يُعَمِّدُ، وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ»" يو3: 26 تلاميذ المعمدان قد جاءوا إليه إذن فمكانه ليس هو مكانهم, ما يتوافق مع فكرة أن يوحنا حينها كان بالفعل في السجن.
لكن كيف ذلك وهو قال: "
وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانُوا يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ. لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوحَنَّا قَدْ أُلْقِيَ بَعْدُ فِي السِّجْنِ." يو3: 23، 24  قال ذلك مباشرة بعدما قال: "وَبَعْدَ هذَا جَاءَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى أَرْضِ الْيَهُودِيَّةِ، وَمَكَثَ مَعَهُمْ هُنَاكَ، وَكَانَ يُعَمِّدُ."
في الواقع فإن عبارة "
لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوحَنَّا قَدْ أُلْقِيَ بَعْدُ فِي السِّجْنِ" لا تعني نفي السجن عن المعمدان في الوقت الذي فيه: "جَاءَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى أَرْضِ الْيَهُودِيَّةِ، وَمَكَثَ مَعَهُمْ هُنَاكَ، وَكَانَ يُعَمِّدُ"، بل تعني أن المعمدان قبل سجنه كان قد انتقل لعين نون قرب ساليم وكان يعمد، وهو أول من عمّد (تعميد بمعنى صبغة وليس مجرد تطهير) في أرض اليهودية فهو صاحب بادرة معمودية التوبة كصبغة ولولاه ما كان الناس يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ وكان هذا قبل سجنه، ثم سُجِن فتولى تلاميذه بعده القيام بالتعميد. بمعنى أوضح فإن عبارة "لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوحَنَّا قَدْ أُلْقِيَ بَعْدُ فِي السِّجْنِ" هي لتحديد أن مكان عين نون كمكان معروف ومشهور للتعميد كان بفضل يوحنا قبل أن يُلقَى في السجن، لكنه استمر كذلك بواسطة تلاميذ المعمدان الذين واصلوا تعميد الناس.  
وحين جاء يسوع وتلاميذه إلى أرض اليهودية ومكث معهم هناك، وكان يعمّد، يقول الكتاب: وكان يوحنا أيضًا يعمّد. هنا المقصود أن الذي كان يعمّد هم تلاميذ المعمدان كنائبين عنه وليس هو نفسه؛ والقرينة هنا أنه قيل قبلها مباشرةً عن يسوع: "وكان يعمّد" يو3: 22 رغم أنه يوضح في الأصحاح التالي مباشرةً: "
مَعَ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُعَمِّدُ بَلْ تَلاَمِيذُهُ" يو4: 2 لكنها حُسِبت عن يسوع مثلما حُسِبت عن يوحنا الذي كان في السجن حين جاء يسوع مع تلاميذه إلى اليهودية.

ونلخص دلائل أن خدمة المسيح بدأت فعليًا بعد سجن المعمدان في:

1.     المباحثة كانت بين تلاميذ المعمدان واليهود ولم تكن مع يوحنا المعمدان شخصيًا، ما يُفهم ضمنيًا غيابه، خاصة أن موقفًا شبيهًا تكرر مع تلاميذ المسيح ولكن المباحثة كانت مع المسيح بذاته (مت15: 1، 2).

2.     القرينة والتي فيها قيل عن يسوع: "وكان يعمّد" يو3: 22 رغم أنه يوضح في الأصحاح التالي مباشرةً: "مَعَ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُعَمِّدُ بَلْ تَلاَمِيذُهُ" يو4: 2 لكنها حُسِبت عن يسوع، مثلما حُسِبت عن يوحنا الذي كان في السجن حين جاء يسوع مع تلاميذه إلى اليهودية.

3.     ما جاء في إنجيل متى عن اختيار يسوع لتلاميذه بعدما أًسلِم يوحنا: "وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ... وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ." مت4: 12، 18

ماذا عن موقف تلاميذ المعمدان من يسوع؟
قد يبدو لنا رد فعل تلاميذ المعمدان بعد مباحثتهم مع اليهود من جهة التطهير غريب بعض الشيء ويبدو أن اليهود الذين باحثوهم قد أثاروا في قلوبهم الغيرة جهة يسوع:
"فَجَاءُوا إِلَى يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ، هُوَ يُعَمِّدُ، وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ» أَجَابَ يُوحَنَّا وَقَالَ: «لاَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ السَّمَاءِ. أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ لِي أَنِّي قُلْتُ: لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ. مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ. يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ، وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَمَا رَآهُ وَسَمِعَهُ بِهِ يَشْهَدُ، وَشَهَادَتُهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْبَلُهَا. وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللهَ صَادِقٌ، لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللهِ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ. اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ. الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ».". يو3: 22- 36

أول ملاحظة أنهم لا يلقبون يسوع باسمه بل يقولون "الَّذِي كَانَ مَعَكَ" ما يوحي بلهجة غير ودودة عن المسيح، ثم يقولون أنه يعمّد والجميع يأتون إليه! ما يشير إلى روح منافسة وبوادر غيرة. ونجد المعمدان يحاول إقناعهم أن يسوع هو المسيح والعريس وهو الآتي من فوق، ونجده في بداية إقناعه يقول لهم: "أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ" ما يعطينا فكرة عن مدى مقاومتهم.

لذا نستطيع أن نتبين مصيرين على الأقل لتلاميذ يوحنا المعمدان:
1) لا شك أن بعض تلاميذ المعمدان تبعوا المسيح عندما شهد له المعمدان ولو بعد حين. فمثلًا:
"وَفِي الْغَدِ أَيْضًا كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ وَاثْنَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ!» فَسَمِعَهُ التِّلْمِيذَانِ يَتَكَلَّمُ، فَتَبِعَا يَسُوعَ. فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: «مَاذَا تَطْلُبَانِ؟» فَقَالاَ: «رَبِّي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَيْنَ تَمْكُثُ؟» فَقَالَ لَهُمَا: «تَعَالَيَا وَانْظُرَا». فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ، وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ. كَانَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَاحِدًا مِنَ الاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمِعَا يُوحَنَّا وَتَبِعَاهُ." يو1: 35- 40
"مكثا عنده ذلك اليوم" توحي لنا أنه لقاء تعارف مبدئي لحين، قبل أن تبعوه بالكامل.
2) يخبرنا التاريخ وكذلك الحاضر بأن بعض تلاميذ المعمدان قاوموا تبعية المسيح رغم شهادة المعمدان القوية للمسيح
إلا أنهم لم يشاءوا تبعية المسيح؛ ربما لعدم استعدادهم أن يتركوا ما حصلوا عليه من مكانة وسط الناس كمعمِّدين خلفًا ليوحنا المعمدان، ولم يكن لديهم استعداد أن ذلك يزيد وأنهم ينقصون؛ فالمعمدان نفسه كان يعرف ذلك لذا قال: "وَمَا رَآهُ وَسَمِعَهُ بِهِ يَشْهَدُ، وَشَهَادَتُهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْبَلُهَا". وربما بعضهم انجذب في البداية ليسوع وصاروا تلاميذ له لكنهم أُعثِروا في بعض تعاليمه مثلما نقرأ:
"فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، إِذْ سَمِعُوا: «إِنَّ هَذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟»
فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هَذَا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَهَذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا!" يو6: 60- 62 فإن كانوا قد استصعبوا الإيمان بتعاليمه عن الجسد والدم، وكانوا يطلبون مسيّا ذا ملكوت أرضيّ فسيعثرون حتمًا حين يموت يسوع على الصليب ثم يقوم ويصعد للسماء (صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا).
"
مِنْ هَذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ." يو6: 66
على أي حال نرى اليوم من يدين بديانة
المندائية. فما هي؟
المندائية (أو الناصورائية أو الصابئة) هي ديانة عرقية غنوصية متأثرة بالأديان الإغريقية والفارسية واليهودية. ويعتقد المندائيون أنهم أحفاد سام بن نوح، وأنهم أيضًا أحفاد المندائيين الناصورائيين الأصليين الذين كانوا تلاميذًا ليوحنا المعمدان. يعتبر المندائيون آدم وشيتل (شيث) وأنوش ونوح وسام ويوحنا أنبياء، وأن آدم هو مؤسس ديانتهم، ويوحنا المعمدان آخر وأعظم أنبيائهم. ووفقًا للنص المندائي الذي يروي تاريخهم المبكر, فإن المندائيين الناصورائيين الذين كانوا تلاميذ يوحنا المعمدان، غادروا فلسطين وهاجروا إلى منطقة ميديا في القرن الأول الميلادي، بسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له في القدس. انتقل المهاجرون في البداية إلى حاران (أو حوران)، ثم إلى التلال الميدية في إيران قبل أن يستقروا أخيرًا في جنوب بلاد الرافدين (العراق). وفقًا لرأي عالم الأديان ريتشارد هورسلي، فإن "حوران الداخلية" هي على الأرجح وادي حوران في سوريا التي كان يسيطر عليها الأنباط الذين كاوا في حالة حرب مع هيرودوس أنتيباس الذي أدانه النبي يوحنا بشدة، فقتله هيرودس في النهاية، وبالتالي لجأوا إليهم. ويتفق العديد من العلماء المتخصصين في المندائية مع الرواية التاريخية للمندائيين. (عن موقع ويكيبيديا ويمكن معرفة المزيد خلال الرابط هنا)

ومما سبق نفهم لماذا ذكر يوحنا الإنجيلي خطاب المعمدان المطوَّل عن المسيح من هو.

العجيب أنه في الوقت الذي اتخذ تلاميذ يوحنا تلك المواقف من يسوع فإن المسيح ترك اليهودية لكي لا يغذِّي لديهم الشعور بالمنافسة والقلق من انفضاض تابعيهم، والذي بثه لديهم الفريسيون:
"فَلَمَّا عَلِمَ الرَّبُّ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أَنَّ يَسُوعَ يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلاَمِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا، مَعَ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُعَمِّدُ بَلْ تَلاَمِيذُهُ، تَرَكَ الْيَهُودِيَّةَ وَمَضَى أَيْضًا إِلَى الْجَلِيلِ. وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ. فَأَتَى إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ
يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ.." يو4: 1- 5
بالتأكيد كان تركه لليهودية حزينًا أيضًا في تلك المرة؛ مثلما تركها المرة السابقة التي تلت التجربة على الجبل حزينًا حينما سمع أن يوحنا أُسلِم. هذه المرة كان حزينًا على محاولة بث الفريسيين لروح الغيرة والعداوة في قلوب تلاميذ يوحنا نحوه، وربما أيضًا على ما شعره من مشاعر غير ودية نحوه من تلاميذ المعمدان.
لكن الرائع هنا ما يذكره الوحي: "وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ. فَأَتَى إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ.." وما تلى ذلك من إيمان السامرية والسامريين في تلك المدينة.

مرة أخرى من رحم حزن المسيح يُولد نواة باقي الكنيسة المتمثل في الأمم (السامريين) (مت4)، مثلما وُلِد قبلًا من رحم حزنه حينما أُسلِم يوحنا أول نواة للكنيسة متمثل في تلاميذه اليهود (يو4). فكل فقدان وراءه تعويض وكل موت وراءه حياة.

ولعلنا هنا نتذكر كيف أن الله بعد موت هابيل وهروب قايين (مَن قيل عنه حينما وُلِد: "وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ. وَقَالَتِ: «اقْتَنَيْتُ رَجُلًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ»." (تك 4: 1) أي أنهما فقدا الابنان وانقطع الأمل؛ عوضهما الله ب "شيث" الذي جاء من نسله المسيح.
ثم مرة أخرى ينبثق نور حين يسود الظلام ويولد الأمل بدل اليأس:
"وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ». وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ." تك6: 5- 8
فكلًا من شيث ونوح بداية جديدة وأمل جديد لتعامل الله مجددًا مع البشر بعدما فنى الأمل في الأحياء في الشعب القديم؛ ليولد بواسطتهما شعب لله في القديم في وسط الظلمة. كذلك في العهد الجديد نرى أنه وُلِد من وسط حزن المسيح بداية جديدة هي عروس المسيح الكنيسة التي تضم اليهود الذين آمنوا بالمسيح (يمثلهم تلاميذه بطرس وإندراوس ويعقوب ويوحنا) مع الأمم (متمثلين في السامرية مع سامريي سوخار).
فتكرار الأحداث عبر التاريخ يمثل مرايا خفية للكون.