المشاركات

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2023

عشاء الرب رمز أم حقيقة؟!

 


 

كلمنا المسيح بأمثال كثيرة كما كلمنا برموز أيضًا. فمثلًا قال بطريقة مجازية: "أنا هو الباب"، "أنا هو الطريق"، "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ". فهل نفهم قوله "هذَا هُوَ جَسَدِي"، "هذَا هُوَ دَمِي" بنفس الطريقة الرمزية المجازية؟

وبكلمات أخرى
هل مائدة الرب/ عشاء الرب هو تناول جسد الرب ودمه فعليًا في صورة الخبز والكأس، أم نصنعها لمجرد ذكرى الرب وفدائه؟
وإن كان هو جسد الرب الفعلي ودمه الحقيقي موجود في صورة خفية لنتناوله بإيمان روحي عميق وليس بالعيان، فأي جسد نقصده؟؟ هل هو الجسد الذي أخذه من مريم العذراء وصُلِب به؟ أم هو الجسد الممجد الذي ظهر به بعد قيامته؟ أم هو ممثلًا الكنيسة كجسد الرب؟!

هل هناك علاقة بين الخبز/ الجسد، والكأس/ الدم المذكورة في (مت26)، والخبز النازل من السماء وكذلك جسد المسيح ودمه في (يو6)؟

 

 

ما يخص خبز الله/جسد ودم المسيح في يوحنا6
"
لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ." يو6: 33
"
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ." يو6: 53

ما يخص جسد ودم المسيح في متّى26
"
خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا." من26: 26ـ 28

متى تم ذكره؟

قرب عيد الفصح (غالبًا في ثاني فصح للمسيح بعد أن بدأ خدمته العلنية): "وَكَانَ الْفِصْحُ، عِيدُ الْيَهُودِ، قَرِيبًا. فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مُقْبِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ: «مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ؟» يو6: 4، 5
ويُذكَر أن إنجيل يوحنا لم يورد ذكرًا للجسد والدم مرة أخرى بعد ذلك كما ذُكِر في مت26: 26ـ 29& لو22: 14ـ 21& مر14: 22ـ 25

هذا رغم أنه ذكر الفصح الأخير للرب وغسل أرجل التلاميذ في يو13  

ملحوظة:
* أول فصح مذكور في: "وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا، فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى أُورُشَلِيمَ" يو2: 13
* ثاني فصح مذكور هنا:"وَكَانَ الْفِصْحُ، عِيدُ الْيَهُودِ، قَرِيبًا." يو6: 4
* ثالث فصح مذكور في إنجيل يوحنا:
"وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا." يو11: 55
"ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ." يو12: 1
"أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ" يو13: 1

في عشاء الرب الأخير مع تلاميذه قبيل الصليب بيوم واحد†††

تعقيب:

هنا يجيب الرب بوضوح عما كان غامضًا سابقًا، ولم يفهمه التلاميذ حينها جيدًا وإن سلَّموا به، فكان بطرس هو المتكلم عن ألسنتهم: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ»." يو6: 66ـ 69
فهم ظلوا مع يسوع ولم يتركوه ليس لأنهم فهموا واقتنعوا بحديثه، ولكن لأنهم يجب أن يسلِّموا بكلامه لأن كلام الحياة الأبدية عنده وليس عند أحدٍ آخر.

سؤال: إن كان الرب قد طبّق عمليًا في العشاء الأخير (مت 26) ما علّمه لتلاميذه في يو6، فما سبب كل هذا التأخير؟؟
لم يكن هناك مجال لتقديم يسوع جسده ودمه للتلاميذ (ممثلين عن الكنيسة) ما دام حيًا معهم. فلم يكن وقت يسوع قد حان.
لكن في ليلة صلب يسوع كان الوقت قد حان ليُفهِمهم ما كان قد قصده سابقًا ولم يستوعبوه؛ يُفهِمهم كيفية حدوث ما قيل عنه: "
فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ." يو6: 52، 53
ربما نظن أن إجابة يسوع جاءت متأخرة بعد حوالي سنة كاملة أو أكثر من سؤال اليهود له. لكن الرب له توقيتاته المناسبة. إنها نفس الحكمة في قوله: "وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ" يو13: 7
وربما تذكِّرني الإجابة المتأخرة بالمعمدان الذي لم يجِب الفريسيين مباشرة حينما سألوه: "فَسَأَلُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ الْمَسِيحَ، وَلاَ إِيلِيَّا، وَلاَ النَّبِيَّ؟»أَجَابَهُمْ يُوحَنَّا قِائِلًا: «أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ، وَلكِنْ فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ." يو1: 25، 26
"وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ»." يو1: 29ـ 31
أيضًا إجابة الرب التي قد نراها متأخرة لأيوب والتي جاءت في نهاية سفر أيوب!
لتزرع أفكارًا ومفاهيم جديدة تحتاج لتمهيد الأرض وحرثها أولًا ثم يأتي الزرع وبعد حين يأتي الحصاد. "لَيْسَ أَحَدٌ يَخِيطُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيق، وَإِلاَّ فَالْمِلْءُ الْجَدِيدُ يَأْخُذُ مِنَ الْعَتِيقِ فَيَصِيرُ الْخَرْقُ أَرْدَأَ." مر2: 21

أين؟

في كفر ناحوم "وَجَاءُوا إِلَى كَفْرِنَاحُومَ يَطْلُبُونَ يَسُوعَ." يو6: 24

في مدينة أورشليم؛ حيث مكان تقديم الذبائح، وحيث قُدس الأقداس، وحيث مكان صلب المسيح كذبيحة حقيقية.

مع مَن كان الحديث؟

  الجموع من االيهود "وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ... فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مُقْبِلٌ إِلَيْهِ " يو6: 2 ، 5














تعقيب:
التعليم يكون للجميع، والرب يعطي الحرية لسامعيه في قبول ما يقول أو لا: "
مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟»" يو6: 66، 67

مع التلاميذ: ”فَفَعَلَ التَّلاَمِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ. وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ." مت26: 19، 20
"وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي»." مت26: 26
بالطبع التلاميذ الاثنى عشر كانوا نواة الكنيسة الأولى. هم مثلوا شعب الله في العهد الجديد مثلما مثل أبناء يعقوب الاثنى عشر شعب الله في العهد القديم، ومثلما اعتبر سفر الرؤيا رقم الاثنى عشر هو شعب المسيح:

"
وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ." رؤ21: 14
"فِي وَسَطِ سُوقِهَا وَعَلَى النَّهْرِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ، شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ الأُمَمِ." رؤ22: 2
تعقيب:
كان عشاء الرب مع خاصته (تلاميذه) الذين قبلوا كلامه ولم يتخلوا عنه رغم تخلِّي الكثيرون عنه حينما تحدث عن ذلك سابقًا: "فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" يو6: 68؛ فالرب يختار الأشخاص الذين يطلِعهم على مجده مثلما لم يظهر بجسد قيامته لليهود عامةً بل لخاصته.
وهكذا جاء التطبيق العملي لتعليم يسوع في يو6 - جاء في وقت ربما نراه متأخرًا لكنه الوقت المناسب الذي رآه الرب، وفي مكان مختلف، لكنه كان لخاصته وليس للعامة. هؤلاء الذين سيجوبون العالم للكرازة وللتعليم الذي أخذوه من الرب ذاته. تمامًا مثلما أظهر جسده الممجد بعد قيامته لخاصته الذين آمنوا به قبل صلبه وليس لصالبيه ولا للكهنة والذين حكموا عليه ولا لليهود غير المؤمنين به.

ماذا كان موضوع الحديث، وما غرضه؟

جاء حديث الرب حينما تبع الجموع يسوع ساعين لأجل الطعام البائد: "أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ، بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ. اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ" يو6: 26، 27
ومن هنا جاء حديثه لهم بتعاليم ونصائح:
تعاليم:
أخذ الرب يعلمهم عن خبز الله النازل من السماء، خبز الحياة، الخبز الحيّ؛ الخبز الباقي للحياة الأبدية:
"
لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ." يو6: 33
"
أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ." يو6: 35، 48
{{{"أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ." يو6: 51}}}
نصائح:
ماذا يريد يسوع منهم أن يعملوه؟
"اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ." (27)
"هذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ" (29)
"أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا." (35)
"لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ." (40)
"فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ." (45)
"أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ." (48ـ 50)
"أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ." (51)
"فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير" (53، 54)
"مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ." (56ـ 58)

 

 

 

 

 

تعقيب:
قصد الرب أن
يشير كلامه لهذا الخبز كرمز وكحقيقة:
الخبز رمز للمسيح ليشبع به الإنسان معنويًا وروحيًا، وهو يهب حياة للعالم (يو6: 33):
"
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا." يو6: 35
واليهود هنا فهموا الرمزية لذا سألوا: "
فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟" يو6: 41، 42
لقد تساءلوا هنا عن كيفية نزوله من السماء وليس عن كونه خبزًا يؤكل لأنهم فهموا أنه قصد أن الخبز يرمز لشخصه كمشبِع وكواهب حياة.
ثم ينتقل يسوع من الرمزية ليبدأ في الإشارة إلى الخبز كشيء حقيقي وحيٍّ، خبز يؤكل وليس مجرد رمز للشِبع:
"
هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ." يو6: 50، 51
وقد فهم اليهود أنه يقصد الأكل الف
علي؛ لذا تساءلوا تلك المرة عن كيفية الأكل:
"
فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟»  فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ." يو6: 52ـ 55
لقد كرر الرب كلمة الأكل والشُرب وما في معناهما عشر مرات في الأعداد التالية (53ـ 58) بعد تساؤل اليهود هذا، بل وأضاف لمعضلة أكل جسده التي أعثرتهم معضلة أشد هي شُرب دمه ومن المعروف طبعًا نفور
اليهود من شُرب الدم. فهل كان ذلك من قبيل العناد والتشويش، أم أنه من قبيل قول الحق حتى وإن بدا غير مقبول أو مفهوم من الناس؟!!
هنا ومع تسليمنا
بإصرار يسوع على الأكل والشرب إلا أن إضافة يسوع لتعليم شُرب الدم يلفت نظرنا إلى أنه ليس بالحرف دمًا بيولوجيًا، كما يجعل المتلقي يبدأ في التفكير في أن أكل الجسد أيضًا ليس المقصود به كما نأكل لحمًا بيولوجيًا كلحم خروف ولا أن نصير كآكلي لحوم البشر!
وهذه هي المعجزة الكبرى التى عملها يسوع للبشرية في ليلة عشاء الرب أن نأكل جسده حقيقةً ونشرب دمه حقيقةً بطريقة إعجازية سرِّيّة روحية مادية معًا لتغذي الروح وتحيي الجسد.     
وهنا سؤال مهم: ما هي الكلمات التي كان <<يجب>> على يسوع أن يقولها أكثر من ذلك ليقنعنا بحقيقية تقديمه جسده
لنا لنأكله ودمه لنشربه فعليًا بكل سرور وكما تفعل الأم حين ترضِع ابنائها من دمها على هيئة لبن! دون أن ننعت هؤلاء الرُضَّع بأنهم مصاصي دماء! ما هي الكلمات التي يمكن أن تفي هذا المفهوم إن كانت هذه الكلمات التي قالها يسوع غير كافية للبعض؟!
أم أننا نُخضِع إيماننا بكلام يسوع الفعلي لمدى استيعاب عقلنا لهذا الكلام "إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟" يو6: 60 ونحاول تأويله؟!

بالإضافة إلى كل كلمات يسوع عن الأكل والشُرب فلقد نفذ يسوع كلامه فعليًا وماديًا مع تلاميذه ليلة صلبه ليؤكد على مفهوم الأكل الحقيقي والشُرب الفعلي وليس الشِبع الرمزي فقط (مت26: 26ـ 28). إنها نفس تلك الكلمات ونفس المفهوم "كلوا جسدي، اشربوا دمي" في يو6، وفي مت 26. إذن هو ليس رمز بل حقيقة. وغير منطقي بالمرة أن يكون كلامه عن أكل جسده وشُرب دمه في يو6 رمزيًا ليفاجأ التلاميذ بعد ذلك بيسوع يعطيهم ليأكلوا ويشربوا فعليًا ما يقول عنه جسده ودمه. أي تشويش هذا!!

الملفت للانتباه أن الرب فَصل بين الجسد والدم. لماذا؟
لعل وجود دم منفصل عن الجسد يشير للذبيحة التي كان يؤخذ من دمها للرش، فالدم هو الذي يؤسس للعهد: "وَأَرْسَلَ فِتْيَانَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ، وَذَبَحُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ لِلرَّبِّ مِنَ الثِّيرَانِ. فَأَخَذَ مُوسَى نِصْفَ الدَّمِ وَوَضَعَهُ فِي الطُّسُوسِ. وَنِصْفَ الدَّمِ رَشَّهُ عَلَى الْمَذْبَحِ. وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، فَقَالُوا: «كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ». وَأَخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَرَشَّ عَلَى الشَّعْبِ وَقَالَ: «هُوَذَا دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ الرَّبُّ مَعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ هذِهِ الأَقْوَالِ»." خر24: 5ـ 8
أيضًا لأن الرب قال عن الدم: "لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ." لا17: 11
فما معنى أن نشرب دم المسيح؟
أرى أن معناها أن المسيح أعطانا ذاته كلها جسدًا، ونفسًا، وروحًا.
كثيرًا ما تساءلت باندهاش: إزاي عملتها كدا يارب؟!!
فقد أعطانا جسده ليتحد بجسدنا المائت وهكذا يؤهَل جسدنا للتحوُّل للجسم الروحاني في القيامة (
1كو15: 44)
وأعطانا نفسه في صورة دمه؛ فتتحد نفوسنا بنفسه، وكذا يتم التكفير عن نفوسنا
"لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ." (لا17: 11)
وأعطانا أيضًا روحه:
"
بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا." 1بط1: 11
"
وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ" رو8: 9

الإنسان هو جسد ونفس وروح، ولكل منهم طبيعة مختلفة عن الأخرى. ووسيلة الثبات في المسيح لابد أن تراعي هذه الطبائع المختلفة. لذا فإن المسيح حينما قال:
"
اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ." يو15: 4 فإنه أعطانا وسيلة ذلك؛ فلجسدنا وسيلة للثبات فيه، غير وسيلة النفس، غير وسيلة الروح. الجسد يثبت فيه حين نأكل جسده، والنفس تثبت فيه حينما نشرب دمه "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ." يو6: 56
أما الروح فتثبت فيه كما قال الكتاب: "
بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ." (1 يو 4: 13)
هكذا أعطانا المسيح جسده ونفسه وروحه لنثبت بالكمال فيه.

 

 

 

 

    

 

 

 

 

 
الموضوع هو عشاء الرب:
{{{"وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا." مت26: 26ـ 28}}}

ملحوظة:
أرى الكلام هنا أشبه بإنعكاس مرآة واضح وتطبيق عملي لما علَّمه يسوع في يو6: 51
أيضًا إنعكاس مرآة آخر لما فعله يسوع يمكن أن نجده بين حدثي إشباع الجموع في مت14 وعشاء الرب في مت26:


عشاء الرب

معجزة إشباع الجموع

 

 


{{{
"وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي"}}} مت26: 26

{{{"فَأَمَرَ الْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الْعُشْبِ. ثُمَّ أَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِلتَّلاَمِيذِ، وَالتَّلاَمِيذُ لِلْجُمُوعِ." }}} مت14: 19

فهل هناك وجهًا للشبه بين الحدثين حتى يفعل يسوع نفس الأفعال ويتم استخدام نفس الكلمات؟
أرى أن المسيح في كلا الحدثين منح بركته للخبز قبل أن يكسره ويعطيه لتلاميذه فبركة يسوع التي جعلت الخمسة خبزات تتخطى حدود حجمها الطبيعي كي تقيت خمسة آلاف رجل هي ذاتها التي جعلت مائدة عشاء الرب ممتدة للبشرية متخطية حدود الزمان والمكان إلى أن يجيء، وهو ما ينطبق كذلك على كأس دم الرب.
ونلاحظ أن يسوع في يوحنا أصحاح6 بعدما عمل معجزة إشباع الجموع تكلم كلامًا تمهيديًا عن معجزة إشباع البشرية بأكل جسده وشرب دمه المزمع أن يفعلها حين يحين وقتها.
ونلاحظ كذلك أن عدد القفف التي فاضت عن الآكلين اثنتي عشرة قفة مملوة وهو ما يشير لاستمرارية وامتداد الشِبع الذي يسده يسوع لشعب الله (العدد 12 يشير لشعب الله)، وهو ما ينطبق بالأولى على مائدة عشاء الرب الذي قال لنا:"اصنعوا هذا لذكري"   


تعقيب:

ربما كان الغرض الظاهري من لقاء يسوع مع تلاميذه في مت26 هو أن يتناولوا طعامًا وهو ما ظنه التلاميذ في البداية. لكن الرب الذي انتقل ببطرس من مجرد إرشاده للمكان المناسب لصيد سمك وفير إلى جعله صيادًا للناس (لو5: 2ـ 11) هو ذاته الذي استخدم مائدة الخبز والخمر ليلة صلبه لتأسيس الإفخارستيا ليصير كاهنًا إلى الأبد على طقس ملكي صادق:
"أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ»." مز110: 4
"
وَمَلْكِي صَادِقُ، مَلِكُ شَالِيمَ، أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا للهِ الْعَلِيِّ. وَبَارَكَهُ وَقَالَ: «مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" تك14: 18، 19.
لم يدرك آدم وحواء عريهما ولم يسري فيهما حكم الموت بمجرد التفكير في الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، لكن بعدما أكلا بالفعل وبطريقة مادية (بعدها بدأ سر الموت يُنقَش في شريط  DNA). هكذا لن تسري فينا الحياة الأبدية إلا بأكل جسدنا الفعلي من الجسد الحق والدم الحق الفعليين. وهذا كان هدف الرب الأساسي من إعطائه لكنيسته ممثلة في التلاميذ الاثنى عشر في عشائه الأخير جسده ودمه الحقَّين لتتناولهما.
فإن آدم لم يُخلق روحًا فقط: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً." تك2: 7
كذلك الحياة الأبدية لن ترثها الروح فقط بل هناك قيامة أجساد (جسم روحاني)
. فإننا قد لبسنا "صورة الترابي" ولنا "جسمًا حيوانيًا" أخذناه من آدم عَبر الانتقال المادي للجينات. أما "الجسم الروحاني" و"صورة السماوي" فنلبسه بأكلنا المادي من الخبز الذى نزل من السماء:
"
يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا. يُوجَدُ جِسْمٌ حَيَوَانِيٌّ وَيُوجَدُ جِسْمٌ رُوحَانِيٌّ." 1كو15: 44
"
الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا هُوَ التُّرَابِيُّ هكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضًا، وَكَمَا هُوَ السَّمَاوِيُّ هكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضًا. وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ. فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ. هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ». «أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟» أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ، وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ." 1كو15: 47ـ 57
وهنا معضلة: فكيف بعدما قال الرسول بولس: "
وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ." قال: "هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ."؟!
إذن ما فعله المسيح في آخر ليلة له مع تلاميذه خاصته (ممثلين عن الكنيسة كلها) هو أنه أعطانا الإمكانية والوسيلة التي بها يحصل جسدنا الفاسد على عدم الفساد وذلك بأكلنا من جسده ودمه فنثبت فيه وهو فينا، ونتحد معه فهو الحياة وهو عدم الفساد.
"
كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي." يو6: 57
كذلك حين نثبت فيه وهو فينا، ونتحد معه بأكل جسده وشُرب دمه
*** فإنه حين يُصلَب في الغد (كان عشاء الرب ليلة صلبه) نكون فيه على الصليب. "فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ." 1كو10: 17
إن المسيح هو شجرة الحياة المجسمة بيننا وقد جاء بذاته ليقوم بالفداء وليعطينا ذاته فنمد يدنا ونأخذ ونأكل فنحيا لى الأبد:
"وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ." تك2: 9

"وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلًا: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ». تك2: 16، 17

"وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ»." تك3: 22

"فِي وَسَطِ سُوقِهَا وَعَلَى النَّهْرِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ، شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ الأُمَمِ." رؤ22: 2
نقطة أخيرة هي أنه كما لم يمت آدم جسديًا مباشرة بعد أكله من شجرة معرفة الخير والشر (على اعتبار أن حكم الموت هو موت جسدي مادي والذي حدث بعد حين، بجانب الموت الأدبي أو الروحي الذي هو انفصال عن الله والذي حدث في ذات الوقت) كذلك الحياة الأبدية وعدم الفساد ستسري فينا بعد حين بطريقة مادية عند قيامة الأجساد (أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ) بينما تسري فينا روحيًا بطريقة آنية مباشرة (يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ). 
"لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ." يو6: 40

صحيح هنا يكلمنا المسيح عن أن الحياة الأبدية وُهِبَت لنا بالإيمان به؛ لكن الإيمان بيسوع يشتمل على الإيمان بكل ما يقوله. وقد أكمل يسوع فقال:  
"
هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ." يو6: 50
"
أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" يو6: 51
"
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" يو6: 53، 54
إذ أن أكْل جسد الرب وشُرب دمه ماديًا (بقلب مؤمن بفدائه التام) هما وسيلة أن يلبس هذا الفاسد (جسدنا المادي) عدم فساد.
††

مدى تجاوب الحضور

ربما تتابع رد فعل اليهود كالآتي:

1) استفسارهم ومحاولة الفهم:
"مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟" (28)

"فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟ مَاذَا تَعْمَلُ؟ آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا." (30، 31)

"يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ." (34)
2) عدم إيمانهم:
"
وَلكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي، وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ." (36)
"وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ." (64)

3) اعتراضهم:
"فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». وَقَالُوا: أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟" (41، 42)

"فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟" (52)

"فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، إِذْ سَمِعُوا: إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟" (60)
4) نفور كثير من تلاميذ الرب:

"مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ." (66)
5) إيمان الاثنى عشر وملازمتهم ليسوع ربما ليس اقتناعًا ولكن تسليمًا (
كما يتضح من كلام بطرس):
"فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟ فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ." (67ـ 69)

تعقيب:
رغم معرفة المسيح مسبقًا أن اليهود سينفضون من حوله وسيرجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء لكنه لم يتراجع البتة عن كلامه ولم يحاول تفسير حديثه بطريقة تنال استحسان السامعين. بل إنه أعطى حرية الانفضاض عنه للاثنى عشر. 
كانت اعتراضات اليهود منطقية وقد تمثلت في ثلاثة نقاط:
1)
"فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟" (42)
فهم لا يعلمون ما قاله الملاك في بشارته لمريم، ولا يعلموا شيئًا عن طبيعة المسيح.
2)
"كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟" (52)
وكان رد يسوع كما قلنا سابقًا أنه كرر كلمة الأكل أوالشُرب وما في معناهما عشر مرات في الأعداد التالية. فهو إذن مصِّر على هذا المفهوم.
3) "
هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟" بالفعل كان كلامًا صعبًا فهناك من الإيمانيات التي ترتفع فوق المنطق وتستلزم منا التسليم بها إلى أن تتكشَّف أمامنا فيما بعد (وهذا هو امتحان الإيمان؛ مثل: طلب الرب من إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده).
هكذا
انفض كثير من تلاميذه عنه، وتركهم يسوع دون أدنى محاولة منه للتراجع أو مسك العصا من المنتصف. بل ومنح الاثنى عشر الحرية ليفعلوا مثلهم. لكنهم تمسكوا بسيدهم إذ آمنوا وعرفوا أنه المسيح ابن الله.

تجاوب الاثنى عشر مع الرب تمامًا دون أي اعتراض (رغم اعتراض بطرس قبلها على غسل رجليه). وما يدهش أنهم شربوا الدم ما قال يسوع عنه "دمي":

"ثُمَّ أَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ، فَشَرِبُوا مِنْهَا كُلُّهُمْ. وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ، الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ." مر14: 23، 24

مع أن الشريعة اليهودية تنهي عن شرب الدم:
"
وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَأْكُلُ دَمًا، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الآكِلَةِ الدَّمِ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا، لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. لِذلِكَ قُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلْ نَفْسٌ مِنْكُمْ دَمًا، وَلاَ يَأْكُلِ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ دَمًا. وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَصْطَادُ صَيْدًا، وَحْشًا أَوْ طَائِرًا يُؤْكَلُ، يَسْفِكُ دَمَهُ وَيُغَطِّيهِ بِالتُّرَابِ. لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ دَمُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلُوا دَمَ جَسَدٍ مَا، لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ هِيَ دَمُهُ. كُلُّ مَنْ أَكَلَهُ يُقْطَعُ." لا17: 10ـ 14























تعقيب:
من الآية السابقة نفهم الحكمة من تحريم شرب الدم. فإن كان لنا الحق بالاغتذاء بأجساد الكائنات إلا أنه ليس لنا الحق أن نمتلك أنفسهم داخلنا بأن نشرب دمهم (نفس كل جسد هي دمه).
لكن يسوع قد أعطانا جسده لنأكله فيتحد جسدنا بجسده، ووهبنا كذلك دمه لنشربه فتحيا نفوسنا به، ونثبت فيه وهو فينا جسدًا ونفسًا.
كان موقف التلاميذ من شرب الدم الذي أعطاه لهم يسوع من منطلق: "وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ" مت11: 6
وأيضًا
"يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" يو6: 68
كذلك هو لم يعطهم دمًا طبيعيًا فيزيائيًا ليشربوا فينفروا منه، لكنه أعطاهم ما يستطيعون بالفطرة أن يشربوه. لكنه كان دمه مخفيًا في هذه الصورة ليستطيعوا.
وقد قال لهم: "
لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا." مت26: 28

فهم يعلمون جيدًا أن قطع العهد يكون بالدم:

"فَمِنْ ثَمَّ الأَوَّلُ أَيْضًا لَمْ يُكَرَّسْ بِلاَ دَمٍ،لأَنَّ مُوسَى بَعْدَمَا كَلَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِكُلِّ وَصِيَّةٍ بِحَسَبِ النَّامُوسِ، أَخَذَ دَمَ الْعُجُولِ وَالتُّيُوسِ، مَعَ مَاءٍ، وَصُوفًا قِرْمِزِيًّا وَزُوفَا، وَرَشَّ الْكِتَابَ نَفْسَهُ وَجَمِيعَ الشَّعْبِ، قَائِلًا: هذَا هُوَ دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي أَوْصَاكُمُ اللهُ بِهِ." عب9: 18ـ 20
أما العهد الجديد فيعلمون عنه:
"هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ." إر31: 31، 32

 

 

 


 

 

بين الرمزية والحقيقة:
الكتاب المقدس بالفعل يتكلم بالمجاز أحيانًا:
"
أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ خَمْرًا وَلَبَنًا. لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ، وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ اسْتَمِعُوا لِي اسْتِمَاعًا وَكُلُوا الطَّيِّبَ، وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ." ش55: 1ـ 3
"وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي، لأَنِّي دُعِيتُ بِاسْمِكَ يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ." إر15: 16
"مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي." مز119: 103
وقال المسيح: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ." يو7: 38
وهذا مجاز المقصود به الروح القدس، وكلام الله.
قال يسوع  بطريقة مجازية: "أنا هو الباب" ولم يقل: هذا الباب هو أنا، أو هو جسدي!
وقال "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" ولم يقل: نور العالم
هو أنا، أو نور العالم هو جسدي!
وقيل في الكتاب المقدس: الله محبة، ولم يقل: المحبة هي الله!
فالمسيح اللا محدود هنا
يُشبَّه ويُقرَّب مجازًا لشيء نلمسه في واقعنا.
لكن الأمر يختلف حين يقول المسيح وفي يده الخبز والكأس: "هذا هو جسدي"، "هذا هو دمي" (مت26). وهو تحقيق لقول المسيح في (يو6): "جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق."
(يو6). الأمر جد مختلف حين يكرر كلمتي كلوا واشربوا وما في معناهما اثنتي عشرة مرة في (يو6: 50ـ 58)
إنه إنعكاس مرآتي. مثلما نجده في بعض نبوات الكتاب، فمثلًا:
"من مصر دعوت ابني" (مت2: 15 & هو11: 1). هذا ما حدث مع شعب اسرائيل الذي يرمز للمسيح وأيضا حدث مع المسيح ممثل الجنس البشري في حادثة هروبه من هيرودس. فهو كلام يخص حقيقة وكذا يخص رمزًا.
تقديم إبراهيم لإسحق ابنه ذبيحة كان صورة إنعكاسية لتقديم الآب ابنه ذبيحة عن البشرية ورأينا الكبش الذي قدمه إبراهيم ممسوكًا من قرنيه. الذبيحة هنا هي رمز وفي نفس الوقت حقيقة.

بدأ يسوع حديثه في يو6 برمزية الخبز: "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا." يو6: 35 لكنه استتبع حديثه بحقيقية الخبز: "لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ." يو6: 55 لنصل في النهاية لمفهوم أن الخبز الذي تكلم الرب عنه رمز وحقيقة.
كذلك هناك أمثلة في الكتاب لأشياء هي رمز وحقيقة في ذات الوقت:
جمرة إشعياء: "فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: «إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ." إش6: 6، 7
السرافيم معناه النار. فكيف يخشى الكائن النارى من لمس الجمرة التى على المذبح فيأخذها بملقط وكأنه يحمى نفسه من حروقها! فهل تخشى النار من النار؟!
وكيف يستطيع إشعيا تحمُّل نار الجمرة التى لم يحتملها السرافيم؟!
كلها إشارات بأن الجمرة غير العادية ـوالتى لم يحتمل السرافيم الكائن النارى لمسها لكنه مسّ بها شفتى إشعيا فنزعت إثمه وكُفِّر عن خطيته ـ هى إشارة لكونها جمرة إلهية احتملها البشر دونًا عن الملائكة. وفي الواقع أجد جمرة المذبح صورة نبوية للإفخارستيا التي وهبها لنا الرب ولم يهبها للملائكة.

الصخرة التي تابعت شعب الله:
"
وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ." 1كو10: 3، 4
فهل كانت الصخرة هي إحدى ظهورات المسيح في العهد القديم؟ وهل لا يليق بالرب الظهور على هيئة صخرة؟ رغم أنه وُصِف بالصخرة "
تَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّ فِي يَاهَ الرَّبِّ صَخْرَ الدُّهُورِ." إش26: 4، ورغم أنه ظهر في خلائقه الأخرى:
 
فقد تأنس: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ."في2: 8 
وكذلك ظهر على هيئة ملاك الرب: "
وَقَالَ لِي مَلاَكُ اللهِ فِي الْحُلْمِ: يَا يَعْقُوبُ. فَقُلْتُ: هأَنَذَا... أَنَا إِلهُ بَيْتِ إِيلَ حَيْثُ مَسَحْتَ عَمُودًا، حَيْثُ نَذَرْتَ لِي نَذْرًا. الآنَ قُمِ اخْرُجْ مِنْ هذِهِ الأَرْضِ وَارْجعْ إِلَى أَرْضِ مِيلاَدِكَ»." تك31: 11ـ 13

دعنا نرى قصة الصخرة بتفصيل أكثر:
"فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «مُرَّ قُدَّامَ الشَّعْبِ، وَخُذْ مَعَكَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ. وَعَصَاكَ الَّتِي ضَرَبْتَ بِهَا النَّهْرَ خُذْهَا فِي يَدِكَ وَاذْهَبْ. هَا أَنَا أَقِفُ أَمَامَكَ هُنَاكَ عَلَى الصَّخْرَةِ فِي حُورِيبَ، فَتَضْرِبُ الصَّخْرَةَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا مَاءٌ لِيَشْرَبَ الشَّعْبُ». فَفَعَلَ مُوسَى هكَذَا أَمَامَ عُيُونِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ. وَدَعَا اسْمَ الْمَوْضِعِ «مَسَّةَ وَمَرِيبَةَ» مِنْ أَجْلِ مُخَاصَمَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ أَجْلِ تَجْرِبَتِهِمْ لِلرَّبِّ قَائِلِينَ: أَفِي وَسْطِنَا الرَّبُّ أَمْ لاَ؟"
خر17: 5ـ 7
"فَأَتَى مُوسَى وَهَارُونُ مِنْ أَمَامِ الْجَمَاعَةِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَسَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا، فَتَرَاءَى لَهُمَا مَجْدُ الرَّبِّ.
وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: «خُذِ الْعَصَا وَاجْمَعِ الْجَمَاعَةَ أَنْتَ وَهَارُونُ أَخُوكَ، وَكَلِّمَا الصَّخْرَةَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ أَنْ تُعْطِيَ مَاءَهَا، فَتُخْرِجُ لَهُمْ مَاءً مِنَ الصَّخْرَةِ وَتَسْقِي الْجَمَاعَةَ وَمَوَاشِيَهُمْ». فَأَخَذَ مُوسَى الْعَصَا مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ كَمَا أَمَرَهُ، وَجَمَعَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجُمْهُورَ أَمَامَ الصَّخْرَةِ، فَقَالَ لَهُمُ: «اسْمَعُوا أَيُّهَا الْمَرَدَةُ، أَمِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ نُخْرِجُ لَكُمْ مَاءً؟» وَرَفَعَ مُوسَى يَدَهُ وَضَرَبَ الصَّخْرَةَ بِعَصَاهُ مَرَّتَيْنِ، فَخَرَجَ مَاءٌ غَزِيرٌ، فَشَرِبَتِ الْجَمَاعَةُ وَمَوَاشِيهَا. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى وَهَارُونَ: «مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمَا لَمْ تُؤْمِنَا بِي حَتَّى تُقَدِّسَانِي أَمَامَ أَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِذلِكَ لاَ تُدْخِلاَنِ هذِهِ الْجَمَاعَةَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا». هذَا مَاءُ مَرِيبَةَ، حَيْثُ خَاصَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الرَّبَّ، فَتَقَدَّسَ فِيهِمْ." عد20: 6ـ 13
* في المرة الأولى : قال الرب لموسى أن يأخذ معه عصاه وشيوخ إسرائيل ويضرب الصخرة (خر17 : 5). وكان هذا رمزًا لأن رؤساء إسرائيل هم الذين سيصلبون الرب يسوع. بينما أنه في المرة الأخيرة : في نهاية الرحلة قال الرب لموسى خذ معك العصا وإجمع الجماعة أنت وهرون أخوك وكلما الصخرة ... فتخرج لهم ماء" (عد20 : 8). هذه المرة إحتاج الأمر لهرون رئيس الكهنة (القيادة الكنسية) والعصا (هي إستمرارية فعل الصليب) وكل الجماعة (هو جمهور المصلين بالكنيسة) ويكلم الصخرة (الصلاة). وبهذا تنسكب علينا قوة الخلاص، والروح القدس يحول الخبز والخمر لنتحد بالمسيح ليكون لنا حياة أبدية.
في المرة الأولى ضرب موسى الصخرة كانت إشارة لصلب اليهود للرب يسوع.
* أما المرة الثانية :- التي كان من المفروض فيها أن يكلم موسى الصخرة فهذه كانت إشارة لإستمرارية فعل الصليب بالقداس الإلهى. وجود العصا مع موسى مع أنه لن يستخدمها في ضرب الصخرة، فهذا يشير لإستمرارية فعل الصليب، بينما أن المسيح لن يصلب من جديد. فالمسيح كما رآه القديس يوحنا في رؤياه "خروف قائم كأنه مذبوح" (رؤ5 : 6). وقوله قائم يعنى أن فعل القيامة مستمر وأنه هو حى إلى الأبد، وقوله كأنه مذبوح معناه أن فعل الصلب ما زال مستمرًا. أي أن الفعلين مستمرين، وأن ما يقدم على المذبح المسيحى هو ذبيحة حية
. (عن موقع الأنبا تكلا هيمانوت بتصرف)

†† ماذا يعني أن نأكل جسد الرب؟

حينما آكل طعامًا يكسِّره جسمي لعناصره الأولية ويمتصه ويبني به خلاياه وأنسجته، وبالطبع فإن هيئته الأصلية تنتهي تمامًا حتى أن الصورة النهائية للحم الغزال المشوي المقدم على موائد الملوك تتساوى مع البقوليات المسلوقة، والعناصر المتكونة بعد أكل أفخم أنواع الجاتوه تتساوى مع ما ينتج من هضم خبزة شعير جافة.
لكن حينما آكل الأقوى الذي هو حيٌّ فهو يصيِّرني أنا جزءًا منه؛
فالقوي هو الذي يشكِّل الآخر.
فإننا حينما نأكل طعامًا يصبح الطعام جزءًا منا ويخضع لقواعد جسمنا
. لكن حينما نأكل من جسد المسيح نتحد به ونخضع له؛ فالضعيف يخضع للقوي. ونصبح نحن جزءًا منه وأعضاء جسده. وهو ما قاله الرسول "لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه" (أف5 : 30)
ربما ظن الإنسان آكل لحوم البشر أنه بأكل إنسان آخر يضاعف كيانه ليكون اثنين في واحد. لكن في الواقع هذا ليس إتحادًا بل اغتذاء. بمعنى أن إنسانًا يلغى وجود إنسان آخر بقتله ثم استغلال جسده كطعام. لا نستطيع أن نقول إنه اتحاد بين جسدين لكيانين إلا إذا كان الجسد الذي يؤكل حيًا، ويظل حيًا فعالًا داخل جسد مَن يأكله ولا تتأثر حياته بعمليات المضغ والهضم التى تتم بعد الأكل.
ربما الآية التالية تقرِّب لنا هذا المفهوم: "أَمْ نُغِيرُ الرَّبَّ؟ أَلَعَلَّنَا أَقْوَى مِنْهُ؟" 1كو10: 22
(وإن كان بولس الرسول قد قالها في رفضه لاشتراك المؤمنين في أكل ما ذُبِح للأوثان.)
إنه عمل فائق خفيّ وطعام روحي في صورة مادية يؤخذ بالإيمان لا بالعيان. ويقتات به جسدنا الحيواني ليتحول في الوقت المعين إلى جسم روحاني (1كو15: 44).

وربما قال قائل أن الأطعمة والأشربة لا تكمِّل: "الَّذِي هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ الْحَاضِرِ، الَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِحُ، لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ الَّذِي يَخْدِمُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ وَغَسَلاَتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَفَرَائِضَ جَسَدِيَّةٍ فَقَطْ، مَوْضُوعَةٍ إِلَى وَقْتِ الإِصْلاَحِ."  الرسالة إلى العبرانيين9: 9، 10
في الواقع كان هذا الكلام لينطبق على الإفخارستيا لولا ذبيحة المسيح على الصليب، وأن الخبز والكأس هما امتداد لذبيحة الصليب. هما يمثلان جزءًا من مائدة عشاء الرب؛ فالرب حين بارك في ذات الأصحاح (يو6: 12، 13) الخمس خبزات والسمكتين لتمتد مفعولهما لخمسة آلاف رجل عدا النساء والأولاد ولتكون في حوزة هذا العدد محطِّمًا سلطان الحجم والكمية المادية؛ فكذلك حطّم سلطان محدودية الزمان والمكان على الخبز والكأس الذين كانا إفخارستيا/ عشاء الرب مع خاصته ليلة صلبه، وغطى بهما كل زمان ومكان حيثما يجتمع المؤمنين ليصنعوا هذا لذكره. ولا يستطيع أحد أن ينال ما وعد به الرب من حياة أبدية بواسطة أكل الخبز وشرب الكأس إلا من خلال إيمانه روحيًا بفداء صليب المسيح وهكذا يترجم إيمانه بالاشتراك في الذبيحة بأكلها ماديًا. إنه برأيي ختم الإيمان في الجسد المزمع أن يتحول لجسد روحاني.
 ومن هنا جاء المعنى الحقيقي لما قاله المسيح: "اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" يو6: 36

هو طعام روحي في صورة مادية يؤخذ بطريقة إيمانية روحية: "
وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ. وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ." رو8: 9ـ 11
ثم إنه في قول بولس الرسول (الذي سجَّله عن الرب نفسه وعرفه من خلال تسليم التلاميذ): "فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1كو 26:11)، تفيد كلمة (هذا الخبز) وكلمة (هذه الكأس) أنه خبز واحد وأنها كأس واحدة لطقس واحد قد تعيَّن إلى الأبد، فكل إفخارستيا قامت وستقوم هي «هذا» الخبز نفسه و «هذه» الكأس عينها لهذا الطقس ذاته الذي أقامه المسيح مساء الخميس.
"لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ." عب14:10 تقال على ذبيحة الصليب كما أرى أنها تشمل كذلك الإفخارستيا.
"كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ. انْظُرُوا إِسْرَائِيلَ حَسَبَ الْجَسَدِ. أَلَيْسَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الذَّبَائِحَ هُمْ شُرَكَاءَ الْمَذْبَحِ؟" 1كو10: 16ـ 18

ما هو الجسد؟ هل هو الجسد الذي أخذه يسوع من مريم العذراء وصُلِب به؟ أم هو الجسد الممجد الذي ظهر به بعد قيامته؟ 
هو ببساطة "المكسور عنكم"، إنه جسد يسوع المصلوب. هو امتداد لذبيحة الصليب.
الجسد الذي نتناوله هو جسد المسيح المذبوح على الصليب، والدم هو دمه المسال من جراحه على الصليب.
"وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي." لو22: 19
"لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا."
مت26: 28
" لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ. إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ. مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ." 1كو11: 23ـ 30
ولماذا يرقدون؟
إن أكل جسد الرب يستلزم الإيمان بفداء المسيح الكامل والإيمان بحقيقية الجسد والدم. ومن يأكله دون استحقاق غير مميز جسد الرب يذخر لنفسه دينونة.
وللأسف كان من هؤلاء يهوذا حيث
قيل: "وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي. وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ." لو22: 19ـ 21
ليس هناك مجال لمجازية عشاء الرب عن كون جسد  الرب هنا رمزًا للكنيسة. فالكنيسة وإن قلنا عنها أنها جسد الرب فهى بالطبع ليست دمه!

ورغم أن المسيح قدم جسده المذبوح للتلاميذ قبل صلبه، إلا أنه عمل إلهي يتجاوز حدود الزمن. وللمسيح كل السلطان في أن يضع نفسه: "لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي."  يو 10: 17،  18
وربما هذا يفسر (بالنسبة لى شخصيا أكثر من أي تفسير آخر) كلمة المسيح:  "لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال." مت40:12
فجسد المسيح كان فى قلب الأرض ليس فقط منذ الجمعة مساء حتى فجر الأحد بل أرى أن نحسبها منذ دخل جوف تلاميذه أبناء آدم الترابي المأخوذ من الأرض وذلك يوم الخميس مساء، وطوال الجمعة، وطوال السبت، ثم فجر الأحد (٣ أيام + ٣ ليالي).

††† هل كان عشاء الرب يوم عيد الفصح؟
كان صلب ربنا هو يوم ذبح خروف الفصح وليس يوم عيد الفصح الذي هو اليوم التالي. وبالتالي كان يوم عشاء الرب هو يوم الاستعداد للفصح.
ف
في رواية العشاء السري في الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا، ثم الرواية الواردة عن الإفخارستيا في رسالة القديس بولس الرسول الأُولى إلى كورنثوس، لا نجد أية إشارة إلى طقس فصحي على الإطلاق، فلا ذكر لخروف الفصح ولا لأعشاب مرَّة ولا لأكل بعجلة ولا لحديث الفصح التقليدي Heggadah. بل على العكس، فإن الإنجيليين الأربعة يوضِّحون أنه اتكأ والإثنا عشر وابتدأوا يأكلون، فالاتكاء هنا يشير إلى أنها كانت ليست وليمة فصح حيث يأكل فيها الجميع، وهم وقوف، متمنطقين، وعلى عجلةٍ، وإنما كانت وليمة عشاء حدَّد المسيح طقسها وروحها كبداية وأصل.

(لأول مرة أعرف أن يسوع لم يأكل الفصح اليهودي مع تلاميذه ليلة صلبه إذ كان موعد ذبح خروف الفصح هو وقت صلب الرب وهذا عن موقع فريق اللاهوت الدفاعي بالرابط التالي:

https://www.difa3iat.com/23404.html/%d9%87%d9%84-%d8%a3%d9%83%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%87%d9%88%d8%af%d9%8a-%d9%85%d8%b9-%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%b0%d9%87

بين تجسُّد ابن الله "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا" يو1: 14 وحقيقية الجسد والدم "لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ." يو6: 55

أرى أن نفس الحكمة ونفس المنطق اللذان لم يمنعا تجسُّد المسيح هما ذاتهما لا يمنعا كون عشاء الرب هو جسده ودمه حقيقيين سريين خفيين، وكما كان يسوع موجود بين الناس وكان لاهوته خفيّ عن الأعين وكان يمشي على تراب الأرض برجليه؛ فهكذا يتواجد جسده ودمه معنا على المذبح/ المنبر من خلال الخبز والكأس، بل ومُنِحنا إمكانية أكله وشربه لنتحد به ويكون داخلنا في سرٍ عظيم يفوق العقل.

وأخيرًا هنا رابط مفصَّل عن المسيح خبز الحياة (يو6) وأقوال بعض آباء القرون الأولى وهم:
الشهيد يوستين/ يوستينوس/ جاستين مارتر (100ـ 165م)
القديس إريناؤس (130ـ 202م)
القديس إيلاري/ هيلاري أسقف بواتييه (310ـ 367م)
القديس أمبروسيوس/ أمبروز أسقف ميلان (337ـ 397م)
القديس يوحنا ذهبي الفم (347ـ 407)
القديس أغسطينس (354ـ 430م)
القديس كيرلس الكبير (376ـ 444م)

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/04-Enjeel-Youhanna/Tafseer-Engeel-Yohanna__01-Chapter-06.html

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق