الخذلان
مَنْ منا لم يذق مرارة الخذلان مِن أقرب مَنْ
له على الأقل مرة فى حياته؟ ومَنْ منا لم يُذِق أحدًا من أحبائه خذلانًا يومًا ما
ويرى أثر ذلك فى عينيه؟
طوبى لمن لم يذق مرارة الخذلان جهة ذاته، لكنى لا أظن أن أحدًا نجا من ذلك أيضًا؛
فإن أى شعور بالندم يحمل فى طياته شعورًا بخذلان النفس.
لعل أجلّ خذلان هو ما يشعره المرء أمام تلك اللحظات العظيمة؛ لحظات الاحتضار حتى وإن أحاطه جميع أحبائه. ذلك الخذلان لا يرجع لعيب فيهم بل لسوء تقدير منه إلى أن تحن الساعة فيدرك بعمق أنه ما من أحد آخر مهما كان حبيبًا لصيقًا وفيًا يقدر أن ينوب عنك أو حتى يرافقك فى تلك الرحلة الجليلة المليئة بالرهبة التى تنقلك من عالم الجسديات إلى عالم الروح.
أما أمرّ وأصعب خذلان فهو ذاك الذى تختبره جهة الله. ربما لا أحد لم يختبر هذا!
مرة أخرى فإن هذا الخذلان يرجع لقصور رؤيةٍ.
هل تخيل آدم أن الله الذى خلقه، وأحبه، وأنعم عليه بكل ما فيه وما له، بل ونما وعاش تحت ظله سيطرده هكذا من الجنة من أجل قضمة ثمرة؟
ولنسمع صرخات أيوب فى بليته: "ها إنى أصرخ فلا اُستجاب. أدعو وليس حكمٌ... قلع مثل شجرة رجائى وأضرم علىَّ غضبه وحسبنى كأعدائه." أى 19 :7-11 كذلك قال: "حى هو الرب الذى نزع حقى والقدير الذى أمرّ نفسى" أى 27 :2
ولننصت باندهاش لتأوهات إرميا حين رأى بعينى النبوة سبى شعبه: "فقلت آه ياسيد الرب حقًا إنك خداعًا خادعت هذا الشعب وأورشليم" إر 4 :10 رغم أنه عايش تحذيرات الله المتكررة لشعبه وعدم استجابة الشعب لها.
لقد سجل الوحى هذه الصرخات والتأوهات دون مواربة فهى مشاعر حقيقية لبشر وإن كانوا أنبياء إلا أنهم فى مشاعرهم تلك كانوا نموذجًا بشريًا صادقًا وواقعيًا وصرخة مرارة حقيقية للإنسان حين يشعر بخذلان الله له.
إنها مشاعر حقيقية لا مفر منها. فليس كل ما ندعو الله لأجله يُستجاب وإلا لما وجدنا أبرارًا لا يُشفَون ويموتون. نعشم دائمًا فى المعجزة، نطمع أن نكون -كلنا- استثناءً والحياة ليست كذلك لذا نقع فى الشعور بالخذلان.
لعل المسيح شاركنا حتى هذا الإحساس المرير حين صرخ على الصليب: "إلهى إلهى لماذا تركتنى؟" إنها صرخة فى عمق قلب أى إنسان يكتوى بنار محنةٍ بينما يرى الله صامتًا.
إن الله يقدِّر هذه المشاعر البشرية ولا يستذنبها.
حين صلى يسوع فى جثسيمانى طلب من الآب ثلاث مراتٍ أن تعبر عنه هذه الكأس، لكنه شربها كاملةً عن تسليم كامل مرشدًا لنا عن كيفية قبول خبرات الخذلان من الله بتسليم: "أجز عنى هذه الكأس. ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت." مر 14: 36

جرح غير ملتئم
هناك موقف فى حياتك لا يلوح فى ذاكرتك إلا وتجد معه غصة فى حلقك.
هو كسر غير مجبور وجرح لم يندمل.
ربما ما زلت تعانى من آثاره، ربما يمثل أكبر خذلان فى حياتك.
أنت الضحية لكن لأنك إنسان فأنت الفاعل فى حياتك. أنت الملك والسيد فى عمرك لذا فأنت الجانى أيضًا!
ربما يرفض جزء فيك كونك الجانى، فيبدأ فى إلقاء التهمة على آخر..
تبحث عن كائن سواك ليكون هو السبب لمشاكل وأوجاع حياتك ولا تحتار كثيرًا فتختار أن يكون هو الله..
جزء فيك -عفوًا- يتهمه!
هذا الجزء المزروع فيك هو نبتة شيطانية. إنها بذرة شيطانية نبتت حين قبلتها أرض نفوسنا: "فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ
تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ
وَالشَّرَّ" تك3: 4، 5
فإننا أبناء آدم: "فَقَالَ آدَمُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ" تك3: 12
إنه إتهام مموه لله!
يمر وقت طويل من عمرك وفى عمق قلبك محفور هذا الإحساس تجاهه. وقد يطفو غضبك بل وربما عدم غفرانك لذلك بين الحين والآخر.
ويمر وقت طويل حتى تدرك أنك الفاعل فى حياتك، والمسئول الوحيد عنها: "أَنَا
قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ." مز82: 6 ، والله قد وهبك الحرية المسئولة.
تسلّم بذلك.. وحينها فقط يبدأ الجرح غير الملتئم فى الالتئام وربما يتحول إلى ندبة.
قد لا نستطيع أبدًا قبول مرارةٍ ما فى حياتنا، ونفشل فى معرفة أبعاد الحكمة من ورائها فى حياتنا هنا، فتبقى الندبة كائنة حتى موت الجسد.
وهناك فى جسد القيامة لا توجد ندبات.
وتتكشف أسرار الحكمة المخفية عن عيوننا هنا، لنرى ما كان دون أدنى إحساس بالمرارة فلا مكان لها هناك، بل وتملأ مكانها التعزيات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق