غير الفاعلين فى الكرم
"مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ
يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ." لو11: 23
فى معجزة شفاء الإنسان الذى به مرض منذ ثمانٍ وثلاثين سنة المضطجع عند بركة "بيت حسدا" متوقعًا نزول الملاك لتحريك المياه حتى ينزل أولًا فيبرأ من مرضه؛ نجد إنسانًا نال نعمة لم يكن يحلم بها. نال شفاءً تامًا حتى إنه لم يحتج فترة تأهيل لمعاودة نشاطه. إلا أنه لم يعد فيلتصق بيسوع أو يصير كارزًا أو حتى ليبحث عمَّن شفاه فيشكره.
لقد كان إنسانًا سلبيًا، عاجزًا نفسيًا وجسديًا. إنه مسلوب الإرادة.
حين اقترب منه المسيح وسأله عن إرادته فى الإبراء لم يجبه
مباشرةً، بل راوغ وأبعد الأمر عن إرادته هو، فالمشكلة فى نظره أنه ليس له أحد يساعده
على ذلك. فأولئك الغائبون هم سبب استمراره فى مرضه. كذلك ذلك الإنسان الذى ينزل قدامه
هو السبب أيضًا.
"فَقَالَ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟ أَجَابَهُ الْمَرِيضُ:
يَا سَيِّدُ، لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ.
بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ." يو5: 6،
7
إنه نموذج للإنسان العاجز؛ عاجز الإرادة وعاجز الفعل.
"قَالَ لَهُ يَسُوعُ: قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ. فَحَالاً بَرِئَ الإِنْسَانُ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَمَشَى. وَكَانَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ سَبْتٌ." يو5: 8، 9
وحينما
بدأ اليهود الاصطدام به كونه يحمل سريره يوم السبت الذى لا يجب أن يعمل فيه شيئًا بغض
النظر عن ملابسات الموقف فى نظرهم؛ تهرب من مسئوليته مباشرة وألصق السبب بمن أبرأه
دون محاولة منه لشرح أو تبرير.
"فَقَالَ الْيَهُودُ لِلَّذِي شُفِيَ: إِنَّهُ سَبْتٌ! لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ
تَحْمِلَ سَرِيرَكَ. أَجَابَهُمْ: إِنَّ الَّذِي أَبْرَأَنِي هُوَ قَالَ لِي: احْمِلْ
سَرِيرَكَ وَامْشِ." يو5: 10، 11
الغريب
أنه لم يكن يعرف مَنْ أبرأه ولم يبذل أى مجهود لمعرفته. لقد اكتفى بحصوله على
الشفاء. ربما شخص آخر لكان فتش الدنيا لأجل أن يجد ذلك الذى بكلمة من الشفاهِ
شفاه!
كذلك هو غير جدير بتحمًل أى مسئولية ودائمًا يبحث عن آخر يحمِّله المسئولية أو
الذنب.
"فَسَأَلُوهُ: مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي قَالَ لَكَ: احْمِلْ
سَرِيرَكَ وَامْشِ؟. أَمَّا الَّذِي شُفِيَ فَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَنْ هُوَ، لأَنَّ
يَسُوعَ اعْتَزَلَ، إِذْ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ جَمْعٌ." يو5: 12، 13
طبعًا واضحًا أن اليهود يجتهدون فى تنفيذ الوصية بالحرف دون أى روح، حتى أنهم لم يهتموا بمعلومة أن شخصًا شفاه بل أن كل همهم معرفة "مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي قَالَ
لَكَ: احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟".
ثم
نجد قمة العمى الروحى لليهود: "بَعْدَ ذلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ فِي الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: هَا أَنْتَ
قَدْ بَرِئْتَ، فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا، لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ. فَمَضَى الإِنْسَانُ
وَأَخْبَرَ الْيَهُودَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي أَبْرَأَهُ. وَلِهذَا كَانَ الْيَهُودُ
يَطْرُدُونَ يَسُوعَ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ عَمِلَ هذَا فِي سَبْتٍ." يو5: 14ـ
16
ربما نستشعر الحدّة فى كلام يسوع للإنسان فى الهيكل، لكن فى الواقع كان كلام يسوع
تحذيرًا وليس تهديدًا، ورغم شدة الكلام إلا أن ذلك الإنسان لم يحذر بل تمادى فى
خطئه وذهب بنفسه ليخبر اليهود عمَّن ظنوه أنه مخالفًا لوصية حفظ السبت، فكان
نموذجًا صارخًا لمن يصطاد فى المياه العكرة. العجيب أن الشىء الوحيد فى القصة الذى
بادر بفعله ذلك الإنسان هو إبلاغ اليهود عن يسوع الذى شفاه، ومن هنا نفهم لماذا
وجّه له يسوع ذلك التحذير.
لقد عجز ذلك الإنسان عن أن يكون عاملًا فى كرم الرب؛ فقد عجز عن الشهادة لنعمة الرب يسوع عليه لأنه لم يسعى لمعرفته. بل أن الرب هو الذى سعى إليه ووجده فى الهيكل وقدم له نصيحته. أما هو فقد استخدم معرفته بيسوع أسوأ استخدام إذ ذهب وأخبر اليهود الذين أدانوه لكسر السبت أن يسوع هو الذى أبرأه فكانت نتيجة ذلك أن اليهود كانوا يطردون يسوع ويطلبون قتله. وهكذا بدا ذلك الإنسان ليس عاملًا مع يسوع بل ضده فكان مثالًا واضحًا لمَن قيل عنه: "من ليس معى فهو علىَّ".
وأمام
هذا النموذج السيئ للعمل، والتقاعس عن العمل فى كرم الرب أراد الرب أن يبين لنا من
خلال ذاته النموذج الإيجابى للعمل فى ذات الأصحاح حينما تحدث مع اليهود عن مغزى
عمله معجزة الإبراء فى السبت:
"فَأَجَابَهُمْ
يَسُوعُ: أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ. فَمِنْ أَجْلِ
هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ
السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ." يو5: 17،
18
"وَأَمَّا
أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي
أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا
هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي." يو5: 36
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق